احتشدت آلاف الطلبات والأضابير، أمام المحاكم العراقية لذوي المعتقلين المشمولين بقانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب مؤخرا بسلة واحدة مع توأميه قانوني الأحوال الشخصية وإعادة العقارات إلى أصحابها، بعد مخاض عسير، إلا أن أمرا ولائيا أصدرته المحكمة الاتحادية أمس الثلاثاء، بإيقاف العمل بالقانون، نسف كل تلك الجهود، وهدد بغليان شعبي لاسيما في المحافظات الغربية المطالبة بالقانون، ليكون المشهد أمام تعقيدات جديدة، بعد إصدار مجلس القضاء الأعلى، بيانا صباح اليوم، أكد فيه عدم جواز إيقاف تنفيذ القوانين التي يتم تشريعها من قبل مجلس النواب قبل نشرها في الجريدة الرسمية، وشدد على إلزام المحاكم في البلاد بتنفيذ قانون العفو العام.
ووفقا لمصدر قضائي، تحدث لـ”العالم الجديد”، بشكل مقتضب، فإن المحاكم شرعت أمس (الثلاثاء) بتوجيه من مجلس القضاء الأعلى بتشكيل لجان لتطبيق قانون العفو، وبدأت فعلا باستلام آلاف الأضابير من أهالي السجناء المشمولين بالقانون، حتى صدر الأمر الولائي للمحكمة الاتحادية بشكل مفاجئ”.
وعلى الرغم من كل ذلك، يقول المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، أن “المحاكم استمرت حتى اليوم الأربعاء، باستلام الطلبات وترويجها، بانتظار التوجيه من الجهات العليا بإيقاف العمل من عدمه”.وأصدرت المحكمة الاتحادية، أمس الثلاثاء، أمرا بإيقاف تنفيذ القوانين الثلاثة، الأحوال الشخصية، العفو العام، والعقارات، على خلفية طعن قدمه عدد من أعضاء مجلس النواب لديها، بشأن صحة إجراءات رئاسة البرلمان في التصويت على القوانين دفعة واحدة دون فصل كل قانون على حدة، وأكدت في قرارها أن الأمر الولائي صدر لحين حسم الدعاوى والتأكد من صحة دستورية إقرار القوانين.
ويقول المحلل السياسي علي نجدية، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “الأمر الولائي للمحكمة الاتحادية بإيقاف العمل بقانون العفو العام فاجأ الجميع، خصوصا أن مجلس القضاء الأعلى باشر بإجراءات تطبيقه، وهذا يدل على ازدواجية عمل القضاء وكيفية تعامله مع قانون صادر من أعلى سلطة تشريعية في البلاد، فالكثير من عائلات المعتقلين تلقوا صدمة جراء هذا القرار، فإذا ما كانت وراءه دوافع سياسية فهو انقلاب على الاتفاق السياسي الذي تشكلت بموجبه حكومة محمد شياع السوداني”.
ويضيف المحلل السياسي المقرب من كتلة تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، أن “هذا القانون ليس وليد اللحظة، فهو قانون معد من 2017 وتم إجراء بعض التعديلات عليه، كما أنه مر بكثير من المراحل أولها الاتفاق السياسي، وثانيها أنه ذهب كمسودة قانون من البرلمان إلى الحكومة التي حولته على اللجنة القانونية في الأمانة العامة حيث خضع لدراسة مكثفة وتمت استشارة الكثير من القضاة العراقيين في الكثير من فقراته”.
ويكمل أن “مشروع القانون بعد دراسة مستفيضة عاد مرة أخرى إلى البرلمان وتم التصويت عليه فقرة فقرة، وتمريره بسلة واحدة مع قانوني الأحوال الشخصية وإعادة العقارات والتصويت عليه بالأغلبية البسيطة”، معتبرا أن “الذهاب باتجاه إصدار أمر ولائي قرار صادم للقوى السياسية السنية لاسيما تقدم التي حملت لواء الدفاع عن هذا القانون”.
وكان رئيس البرلمان السابق ورئيس حزب تقدم، محمد الحلبوسي، أول من أصدر بيانا شديد اللهجة ضد الأمر الولائي، إذ عبر عن رفضه لإيقاف تنفيذ قانون العفو العام، مؤكدًا أن القانون يهدف إلى إنصاف الأبرياء والمظلومين فقط، ولا يشمل الإفراج عن “الإرهابيين”، وفيما اتهم المحكمة بتسييس قراراتها، شدد على عزمه مواجهة القرار بكل الوسائل القانونية والشعبية، ودعا إلى تنظيم مظاهرات ومقاطعة المؤسسات التي لا تحترم إرادة الشعب.وعمّا إذا ما كانت السلة الواحدة سببا بتعطيل القانون، يشير نجدية إلى أن “العملية السياسية تتعامل بالمساومة في القوانين، إذ تم تمرير هذا القانون مقابل تمرير قانون العقارات بما يحمل من إجحاف لبعض المكونات في كركوك، وقانون الأحوال الشخصية مع العديد من التحفظات عليه، لكن كانت مصلحة عليا وهي إنصاف المعتقلين، لذا وافقت الكتل السنية على إدراجهن في سلة واحدة، وكان هناك سيناريو لتخريب جلسة التصويت من قبل بعض القوى بيد أنه لم ينجح، لكن عادت هذه القوى من خلال المحكمة الاتحادية لتطعن بالقانون”.
وعن ردود الفعل في حال نقض القانون، يجد نجدية، أن “القضاء أذكى من أن يقع في مطب مثل هذا، لأن الشعب هو مصدر السلطات والقانون يصب في مصلحة الجمهور الشيعي والسني على السواء، لذا سيكون هناك غليان شعبي بسبب عدم تمرير القانون وهذا الغليان قد ينعكس على الشارع”، لافتا إلى أن “الحلبوسي لوح باستخدام الشارع، لأن هناك ضغطا كبيرا من الجمهور على القوى السياسية لتمرير القانون وممكن أن يتحول هذا الضغط من القوى السياسية إلى القضاء والدولة العراقية بشكل عام ومرجح أن يصعد المطالبون بالقانون خطواتهم وتكون لهم كلمة أخرى”.
ومع حلول مساء أمس، بدأت محافظات سنية تعطل الدوام الرسمي، احتجاجا على الأمر الولائي، بدءا محافظة نينوى، ومن ثم تلتها محافظة الأنبار، ومن ثم التحقت صلاح الدين بهذه المحافظات، وأعلن أخيرا محافظ كركوك، ريبوار طه تعطيل الدوام الرسمي في المحافظة.
وفي مقابل ذلك، أعلن الإطار التنسيقي، دعمه للمحكمة الاتحادية العليا لإيقاف تنفيذ القوانين التي مُررت خلال جلسة مجلس النواب المنعقدة في 21 كانون الثاني يناير الماضي، مستغربا “الهجمة ضد المحكمة الاتحادية، في محاولة للنيل من سمعتها والسعي لسلب حقها الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين”.
من جهته، يجد المحلل السياسي فلاح المشعل، خلال حديث ”، أن “مجلس النواب تعجل بإصدار هذه القوانين في سلة واحدة وكان ينبغي أن يتريث كي تنضج القوانين وأن لا تتحول العملية إلى تخادم بين الأطراف، فالقوانين كانت تحتاج إلى مراجعات، لأن ثلاثة قوانين بسلة واحدة وتصويت مشكوك في صحته أسباب تدعو المحكمة الاتحادية لإصدار الأمر الولائي بإيقاف العمل بقانون العفو”.ويرى أن “ثمة فوضى في تشريع القوانين، فكل قانون يصدر لا يتم العمل به إلا بعد نشره بالجريدة الرسمية وهناك تراتبيات قانونية تحتاج إلى وقت، ولكن قانون العفو بدأ القضاء بتطبيقه على الرغم من عدم نشره، ناهيك عن أن بعض أعضاء مجلس النواب لم يوافقوا تمرير القانون”.
لذا، يؤكد المشعل، أن “البرلمان متعجل من جهة، والجهات القضائية هي الأخرى تعجلت بتطبيقه قبل أن ينشر من جهة أخرى، جاء الأمر الولائي من جهة ثالثة من دون أن يأخذ بالاعتبار أن مجلس القضاء أصدر توجيها بالعمل بالقانون، وهذا يكشف عن عدم تنسيق بين المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى، وهي سابقة مقلقة، وقد تكون خطيرة بسبب الحماسة لدى القوى السنية لتحريض الشارع وتعطيل الدوام، وما قد يؤدي إلى إشعال فتنة”.ويحذر المشعل من “التلويح بتحريك الشارع في هذا الاتجاه، لأن القوانين تتعلق بمراجعات قانونية ولها ضوابط وقد يكون الإيقاف مؤقتا ويعود القانون للتطبيق بعد التعديل، وقد تتكرر هذه الحالة مع أي قانون آخر، كقانون الحشد الشعبي الذي قد يحرك الشارع إذا لم يمرر”، مشددا على “ضرورة الفرز بين ما هو وظيفي وقانوني يرتبط بالدولة وبين التوجهات السياسية”، من غير أن يستبعد أن “هذه محاولات من القوى لكسب التأييد الشعبي بسبب قرب الانتخابات على حساب الأمن المجتمعي”.
وشهدت جلسة مجلس النواب العراقي في 21 كانون الثاني يناير الماضي، تمرير “قوانين جدلية” تشمل تعديل قانون العفو العام، وتعديل قانون الأحوال الشخصية، وقانون إعادة العقارات لأصحابها في كركوك.وتلك الجلسة، أثارت لغطا كبيرا مباشرة، حيث أكد نواب في حينها، أن رئيس البرلمان محمود المشهداني لم يقرأ القوانين، ولم يجر رفع أيدي النواب خلال التصويت، بل أعلن التصويت عليها بشكل مباشر، وعلى إثرها جرى جمع تواقيع لإقالته، وبرزت قضية إقالته للواجهة وطالب العديد من النواب بها، قبل أن تتراجع حدتها خلال الأيام الماضية.
من جانبه، يسوق الباحث في الشأن السياسي، مجاشع التميمي خلال حديث لـ”العالم الجديد”، قاعدة “ما بني على باطل فهو باطل” في معرض حديثه عن أزمة الأمر الولائي الذي صدر من المحكمة الاتحادية، قائلا إن “أساس الأزمة هي قوى الإطار التنسيقي التي وافقت على أن تكون هذه القوانين وخاصة قانون العفو العام ضمن الاتفاق السياسي المثبت بالمنهاج الوزاري لحكومة السوداني، واستعجال الإطار آنذاك (تشرين 2022) كان لغرض منع عودة مقتدى الصدر وتشكيل حكومة من دون الصدريين”.
ويعتقد أن “أزمة العراق بعد العام 2003 هي التدخلات السياسية وعدم تأسيس مؤسسات عراقية مستقلة تعمل بمهنية، لذلك الأزمات في البلاد تتكرر ولا تنتهي؛ ومنها القوانين الثلاثة الجدلية التي هي بالأساس غير دستورية في مناقشتها وتمريرها وهي سابقة خطيرة على النظام السياسي العراقي لأنها كانت توافقية وهدفها إرضاء المكونات دون النظر لقانونيتها”.
وينبه إلى أن “المشكلة التي فاقمت الأزمة أكثر هو عدم وجود قرار شيعي موحد، فالإطار التنسيقي وهم أصحاب التمثيل النيابي الأكبر، حيث مررت القوانين بموافقة زعاماتهم داخل ائتلاف إدارة الدولة، لكن البعض تراجع ومنهم نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون ولأسباب تتعلق بالحرج الكبير الذي ظهر بعد التصويت على القوانين الثلاثة وحجم الاعتراض الشيعي الشعبي عليها، خاصة مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات، لذلك ربما يقوم الاطار بالضغط على القوى الكردية والسُنية لإضافة قانون جديد لتمريره ضمن السلة الواحدة وهو قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي”.
ويرى التميمي، أن “تمرير القوانين كان غير قانوني ولعل النواب يتذكرون جملة كان يقولها رئيس مجلس النواب في التصويت (تم التصويت بالتوافق)، وهو كلام سياسي لا دستوري يدل على حقيقة تمرير القوانين الثلاثة، وربما المكون الشيعي كان الخاسر الأكبر لأن ما حصل عليه هو تمرير تعديل قانون الأحوال الشخصية وهو لا يضيف للمكون شيئا، بل يسيء لصورة الشيعة في المحافل الدولية”.
ودعا ائتلاف إدارة الدولة، اليوم الأربعاء، إلى عقد اجتماع طارئ السبت المقبل، في القصر الحكومي بالعاصمة بغداد للتداول بمجموعة قضايا “مهمة”، على رأسها التصعيد الأخير ضد المحكمة الاتحادية بعد إصدارها الأمر الولائي الخاصة بإيقاف تنفيذ القوانين الجدلية الثلاثة.فيما أكد رئيس مجلس النواب محمود المشهداني، اليوم الأربعاء، الالتزام بقرارات المحكمة الاتحادية، معتبرا أن اعتراض بعض النواب والطعن بالقوانين لدى المحكمة الاتحادية “تجسيد حقيقي للديمقراطية”.