في مشهد سياسي مشوش و مشحون بالتوتر، جاء تباين المواقف الرسمية بين بغداد وطهران بشأن المطالب الأمريكية بحل ودمج قوات الحشد الشعبي في العراق، لتزيد من عمق التشابك والغموض في هذا الملف، لاسيما وانها جاءت بالتزامن مع إعلان زعيم التيار الوطني مقتدى الصدر، بمقاطعة الانتخابات لأن “العراق في أنفاسه الأخيرة”، على حد تعبيره.وقال السفير الإيراني في بغداد محمد آل صادق في لقاء متلفز مع قناة الشرقية ، إن “رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران تضمنت طلباً بحل “الحشد الشعبي”أو دمجه في الأجهزة الأمنية العراقية، مؤكداً أن “الحشد مؤسسة عراقية لا دخل لإيران حتى تتكلم مع أميركا بشأنها، يريد ترامب برسالته حل أو دمج الحشد وهذا غير مقبول لا عراقياً ولا إيرانياً، الحشد اليوم مؤسسة رسمية وأدت دوراً كبيراً في الحرب ضد داعش، واليوم تمتلك قوة وقدرة وخبرة وهي ضمن المؤسسة الأمنية في العراق”.
وشدد آل صادق على أن “الحشد لن يُحل بحسب معرفتي”، مضيفاً أن “العراق بلد قوي ومستقل وفيه سيادة وحكومة، ويريد الجانب الأميركي، عبر إصراره على أن قرار المقاومة إيراني، وضعنا في موقع المتهم”، مؤكداً أن “المقاومة في المنطقة باقية وهي قادرة على الدفاع عن نفسها، والعراق فيه فصائل مقاومة”، مشيراً إلى أن “المنطقة الآن في هدنة”. معتبراً أن “ملف الفصائل العراقية هو شأن داخلي عراقي بامتياز في الوقت الحاضر”.وقال السفير إنه “حينما توصف فصائل المقاومة في المنطقة بأنها أذرع إيرانية، فهذه إهانة لتلك الفصائل”، مؤكداً أنها “فصائل مستقلة وتعمل بحرية كاملة، وتدافع عن نفسها في أي وقت تقتضيه الضرورة”.
وأوضح أنه “في فترة من الفترات، اقتضت الضرورة دعم الفصائل في العراق من قبل إيران، خاصة أن ذلك جرى في فترة حرب داعش، ويعلم القاصي والداني دور إيران في الدفاع عن العراق عبر تقديم السلاح والعتاد والإمكانات اللازمة”، وأضاف: “قدمنا شهداء كباراً دفاعاً عن العراق، ونتعامل مع الفصائل بطريقة نعطيها فيها سمكة ونعلمها أيضاً كيف تصطاد السمك (أي نشارك الفصائل في اقتناص الأهداف، ومن ثم نعلمها الاعتماد على نفسها)، لقد جهزت الفصائل نفسها وهي اليوم في كل المنطقة بدأت تصطاد أهدافها بنفسها”.وتواجه الحكومة العراقية ضغوطاً أمريكية بشأن حل الفصائل المسلحة المنضوية في “الحشد الشعبي” (المظلة الجامعة أكثرَ من 70 فصيلاً مسلحاً، وبقوام يتعدى 200 ألف عنصر)، ودمجها في المؤسسة الأمنية، كما تواجه الحكومة صعوبات بالاتفاق مع الفصائل بهذا الشأن.ليرد بعدها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، على تصريحات السفير الإيراني، بتأكيد عدم وجود طلب أمريكي بحل “الحشد الشعبي”.
وقال السوداني في لقاء متلفز مع الزميل سامر جواد ”، إن “حل الفصائل مرتبط بإنهاء وجود التحالف الدولي في العراق”.وأكد السوداني “عدم وجود ضغوط دولية على مشروعات الطاقة في العراق، ونفى وجود وصاية أمريكية على الأموال العراقية”، مبينا أن “كل الدول المصدرة للنفط لديها حسابات في البنك الفيدرالي الأمريكي، والعراق لديه حساب أيضاً، ونحن مَن نتحكم بحساباتنا هناك”.وتسود في بغداد تكهنات لا حصر لها عن السياسة الأمريكية الجديدة، منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتوعده إيران بحملة قوية ضد نفوذها في المنطقة.جاء ذلك بالتزامن مع رد زعيم التيار الوطني مقتدى الصدر على سؤال وجه له من أحد أنصاره حول المشاركة في الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها نهاية العام الحالي، بالقول : “إنه ليكن في علم الجميع، ما دام الفساد موجوداً فلن أشارك في أي عملية انتخابية عرجاء، لا همَّ لها إلا المصالح الطائفية والحزبية بعيدة كل البُعد عن معاناة الشعب، وعمَّا يدور في المنطقة من كوارث كان سببها الرئيسي هو زج العراق وشعبه في محارق لا ناقة له بها ولا جمل”.
وتابع الصدر: “ما زلت أعول على طاعة القواعد الشعبية، ولذا فإني كما أمرتهم بالتصويت فاليوم أنهاهم عن التصويت والترشيح، ففيه إعانة على الإثم”.وتساءل الصدر: “أي فائدة تُرجى من مشاركة الفاسدين والعراق يعيش أنفاسه الأخيرة، بعد هيمنة الخارج وقوى الدولة العميقة على كل مفاصله”.وأثارت تصريحات الصدر وتحديدا فقرة “العراق يعيش أنفاسه الأخيرة”، حول التغييرات السياسية خلال المرحلة المقبلة، في ظل الضغوط الأمريكية.
ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مطلعة، في 25 آذار مارس الجاري ، إن قوى الإطار التنسيقي توصل إلى اتفاق مبدئي يقضي بدمج الفصائل المسلحة بالحشد الشعبي والتزام الجميع بأوامر القيادة العسكرية العليا، مؤكدة أنه تضمن أيضا عدم التعرض للمصالح الأمريكية في العراق، وإيقاف العمليات خارج الحدود.يذكر أن وسائل الإعلام المحلية نقلت أيضا عن المصادر المطلعة، قولها إن “قرار دمج تلك الفصائل نهائي ولا رجعة فيه، وسيبدأ تطبيقه فعليا بعد الاجتماع المرتقب للإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة، بعد عطلة عيد الفطر، مع اعتقال كل من يقوم بأية أعمال خارج إطار الدولة لضرب المصالح الأمريكية”.
جاء ذلك، بعد أيام من إعلان “فصائل المقاومة الإسلامية في العراق” جهوزيتها للصراع مع إسرائيل، سواء عبر “حرب شاملة أو عمليات محدودة”، فيما شددت لجنة الأمن والدفاع النيابية على ضرورة أن تكون أي مشاركة عراقية في الصراعات الخارجية مرتبطة بقرار عربي أو دولي وليس منفردة.وتأتي هذه المواقف عقب استئناف إسرائيل هجماتها على قطاع غزة، مما أنهى الهدنة الهشة التي استمرت لأسابيع، كما تزامنت مع بدء الهجمات الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن، في إطار مواجهة التهديدات التي تستهدف الملاحة البحرية، حسب قولهم.وكشفت وسائل إعلام نقلا عن مصادر مختلفة، في 23 آذار مارس الجاري، عن إيصال وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى السوداني، خلال اتصال هاتفي، ووفقا للمصادر فإن “هيغسيث أبلغ السوداني، بأن أي تدخل للفصائل المسلحة العراقية، بشأن الاستهداف الأمريكي ضد الحوثيين في اليمن، سيدفع واشنطن لرد عسكري سريع ضد تلك الفصائل داخل العراق، ولذا يجب منعها من أي تدخل كما حصل سابقا في حرب لبنان وغزة”.
وأضافت المصادر، أن “وزير الدفاع الأمريكي شدد على السوداني بضرورة الإسراع بحسم ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة والعمل على تفكيكها، وأكد أن هذا الملف محل اهتمام كبير لدى الرئيس ترامب وإدارته، فيما أكد السوداني بأن الحكومة تعمل على ذلك ولديها حوارات مع الأطراف المسلحة للوصول إلى اتفاق بهذا الخصوص””، ناقشت في تقرير موسع انهيار ما يسمى بـ”محور المقاومة”، عقب سقوط نظام بشار الأسد، في سوريا، وقطع الطريق على تسليح حزب الله اللبناني، وإسقاط نظرية “الهلال الشيعي” على نحو سريع ومفاجئ، وبحسب باحثين ومراقبين، فإن عملية طوفان الأقصى كانت بداية النهاية لهذا المحور الذي حمل إيران كلفة اقتصادية وبشرية هائلة، فيما شككوا بقدرة إيران “التوسعية” مستقبلا بعد موت “وحدة الساحات” ونشاط الداخل الإيراني “المعارض”.
ويشير مصطلح محور المقاومة أو الممانعة، إلى تحالف عسكري وسياسي غير رسمي مناهض لإسرائيل والولايات المتحدة، ويضم كلا من إيران وسوريا والفصائل العراقية الموالية لطهران، وحركة حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، وحركة أنصار الله اليمنية (الحوثيون)، وتصنف الولايات المتحدة معظم تلك الجماعات كمنظمات إرهابية.