توفر العودة المفاجئة لرئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، مادة دسمة للحديث في العراق، حيث ما يزال الرأي العام منقسماً بين من يرى في عودته خطوة لإعادة ترتيب أوراقه سياسياً، ومن يعتقد أنها جاءت في إطار تفاهمات غير معلنة توفر له الحماية.
فبعد الجولة التي أجراها الكاظمي في أربيل، قبل أيام، والتي التقى خلالها كبار القادة في كردستان والتباحث معهم حول مستجدات العلاقة بين بغداد وأربيل، والواقع الأمني والاقتصادي والسياسي في عموم العراق، إلى جانب تطورات المشهد الإقليمي، تصاعدت الانتقادات السياسية للكاظمي، فيما رأى مختصون أن الأطار التنسيقي وجه سهامه نحو الأخير في خطوة لإبعاده عن الانتخابات المقبلة.
وكان الكاظمي خرج من العراق بعد نهاية ولايته التي امتدت من 7 أيار مايو 2020 إلى 27 تشرين الأول أكتوبر 2022، حيث تعرّض لاتهامات من جانب فصائل المقاومة بالتواطؤ في اغتيال قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني”، الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي”، أبو مهدي المهندس، في مطلع كانون الثاني يناير 2020، وعلى رغم أن الكاظمي لم تصدر بحقه أيّ مذكّرات اعتقال، فإن بعض المقرّبين منه ملاحقون قضائياً بتهم في قضية “سرقة القرن”، والتي تتعلّق باختلاس 2.5 مليار دولار من الأمانات الضريبية.
إذ قال القيادي في الإطار، عمار الفايز، في حديث تابعته “العالم الجديد”، إن “رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي لا يملك أي فرصة للعودة إلى المشهد السياسي”، مشددًا على أن “المتهمين في قضية “سرقة القرن” لن يتمكنوا من الترشح للانتخابات النيابية المقبلة.
وأضاف أن “قانون العفو العام لا يشمل المتورطين في قضية سرقة القرن ، ولن يُسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة”، مؤكدًا أن “هذه الانتخابات ستكون مفصلية ولا يمكن السماح للفاسدين بخوضها”.إلى ذلك، أكد النائب مختار الموسوي، في حديث تابعته “العالم الجديد”، أن ” رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي يحاول إعادة تسويق نفسه سياسيًا للحصول على منصب أو الترشح في الانتخابات المقبلة”، مشيرًا إلى أن ” من يلتقي به من الطبقة السياسية يفعل ذلك بدوافع ومصالح شخصية وليس بدافع وطني”.وبين أن ” حكومة الكاظمي لم تقدم أي إنجاز حقيقي للعراق، بل شهدت عمليات فساد مالي كبيرة”، مشددًا على ” ضرورة محاسبته والتحقيق معه بشأن الموازنة التي اختفت خلال فترة حكمه”.
وأضاف أن “الكاظمي ومن كان مقربًا منه، مثل رائد جوحي وإخوانه ونور زهير، شكلوا منظومة فساد استنزفت أموال الدولة، مطالبًا الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبتهم”.من جهة اخرى، رأى المحلل السياسي ياسين عزيز، اليوم الثلاثاء، أن الإطار التنسيقي قد وجه سهامه نحو الكاظمي لإبعاده الانتخابات المقبلة، رغم كونه مناسبا للمرحلة المقبلة.وقال عزيز في تدوينة له عبر منصة “اكس”، “وانا اتابع البرامج الحوارية في كثير من القنوات العراقية برمضان والتي حددت لحوار مسؤولين دون المراقبين الاحظ ان هذه البرامج خصصت لمهاجمة شخصيات معينة و منهم مصطفى الكاظمي”.وأضاف أن “هناك قرارا من الاطار بمهاجمته والإقلال من شأن عودته لكن يبقى الكاظمي الاختيار الأنسب الآن”.
وكان الكاظمي أجرى، خلال الأيام الماضية، جولة في أربيل التقى خلالها رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، فيما كان في استقباله فور وصوله أربيل عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي هوشيار زيباري، وبحث الكاظمي مع كبار القادة وفق بيانات لمكاتبهم، مستجدات العلاقة بين بغداد وأربيل، والواقع الأمني والاقتصادي والسياسي في عموم العراق، إلى جانب تطورات المشهد الإقليمي.وأعلن عضو اللجنة المالية النيابية، حسين مؤنس، في 5 آذار مارس الجاري، عن رفع دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، فيما كشف عن خفايا فترة تولي الكاظمي للحكم.
وحطت طائرة خاصة في مطار بغداد الدولي، في 25 شباط فبراير الماضي، كان على متنها الكاظمي، ليصل إلى منزله في منطقة الجادرية وسط العاصمة، وقد تزامنت عودته مع نشاط مكثف على الساحة السياسية، حيث بدأت أجندته مزدحمة باللقاءات مع شخصيات سياسية بارزة، منها مقتدى الصدر ومحمد الحلبوسي، كما بدأت بعض المنصات الإعلامية القريبة من الكاظمي باستعادة نشاطها بشكل لافت.وفي حديث له مع إحدى المحطات التلفزيونية القريبة من فصائل الحشد الشعبي، صرح الكاظمي قائلا إنه يريد “خدمة ناسنا”، في إشارة واضحة إلى نشاط سياسي مرتقب قد يرتبط بالانتخابات البرلمانية القادمة، هذا التصريح، إلى جانب زياراته للمسؤولين السياسيين، فتح المجال للتكهنات حول مشروع سياسي جديد قد يسعى الكاظمي لقيادته في المرحلة المقبلة.
ورحب العديد من السياسيين بعودة الكاظمي، وحملت تعليقات رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الأخيرة، أكثر من إشارة بخصوص عودة الكاظمي إلى بغداد، لا سيما في ما يتعلق باحتمالات ترشيحه مرة ثانية لرئاسة الحكومة.وفي 2 آذار مارس الجاري، وجه رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، انتقادات لمشاريع حكومة رئيس الوزراء الحالي محمد السوداني، مشيرا الى أنها كانت ضمن خطته الحكومية السابقة، فضلا عن الانتقادات التي وجهها لحكومة الأخير تتعلق بالفساد واحداث تشرين مما أثار جدلا واسعا داخل الأوساط المحلية.يذكر أن الكاظمي تولى منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 7 أيار مايو 2020 الى 27 تشرين الأول أكتوبر 2022.وسبق أن مارست قوى سياسية داخل قوى الإطار، خاصة التي لديها أجنحة مسلحة، ضغوطاً كبيرة على الكاظمي خلال فترة حكمه أو بعد مغادرة منصبه من خلال ملاحقة بعض مساعديه قضائياً بتهم فساد وتجاوزات مالية.
وتتزامن عودة الكاظمي مع تحركات مكثفة تقودها شخصيات سياسية لخلق بديل سياسي بتوجهات مدنية وليبرالية في مقابل هيمنة أحزاب الإسلام السياسي التي قادت البلاد خلال العقدين الأخيرين.وعانى الكاظمي خلال فترة ولايته من تحديات كبيرة، منها محاولة اغتياله في 2020 عبر هجوم صاروخي على منزله، بالإضافة إلى اتهامات له بالتواطؤ في اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.
يذكر أنه في 3 كانون الثاني يناير 2020، اغتالت طائرة مسيرة أمريكية قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، بضربة جوية قرب سور مطار بغداد الدولي، وذلك بعد استقبال المهندس لسليماني وخروجهما من المطار.وعلى الرغم من تلك التحديات، إلا أن الكاظمي لم يتوقف عن مواصلة أنشطته السياسية، إذ كانت هناك إشارات إلى أنه لا يزال يحظى بدعم من بعض القوى المدنية والليبرالية في العراق.