أثارت تصريحات محمد صلاح، نجم ليفربول، الأخيرة، عن مهاجم مانشستر سيتي، إرلينغ هالاند، جدلاً واسعاً في الأوساط الكروية. صلاح، في سياق المقارنة بين تجربته الكروية وتجربة هالاند، صرح بأن حياة المهاجم النرويجي "أسهل" منه كونه مهاجما صريحا وأقرب للمرمى، هذه التصريحات فتحت الباب للتساؤل حول مدى دقة هذا الوصف، وهل يعكس بالفعل طبيعة كرة القدم الحديثة ومتطلبات الأدوار الهجومية المختلفة؟
الرؤية الظاهرية.. هل المهاجم الصريح أقرب للمرمى؟
في ظاهر الأمر، قد يبدو كلام صلاح منطقياً، فالمهاجم الصريح، بحكم تمركزه الدائم في مناطق الجزاء وعلى مقربة من المرمى، يُفترض أن يحصل على فرص تسجيل أكثر وأسهل من الجناح الذي ينطلق من مساحات أبعد.إلا أن التعمق في تحليل ديناميكيات كرة القدم الحديثة، وبالأخص الأدوار التكتيكية الموكلة للمهاجمين والأجنحة في الفرق الكبرى، يكشف لنا صورة أكثر تعقيداً.
الخرائط الحرارية.. المهاجم يتحرك بعيداً عن المرمى
تشير الخرائط الحرارية للاعبين، وهي أداة تحليلية مهمة في كرة القدم الحديثة، إلى أن مهاجمي الفرق التي تعتمد على الاستحواذ والهجوم السريع غالباً ما يوجدون في مناطق أبعد عن المرمى مقارنة بالأجنحة. هذا ليس تناقضاً، بل انعكاس لمتطلبات تكتيكية محددة. فالمهاجم في هذه الفرق لا يقتصر دوره على التمركز داخل منطقة الجزاء وانتظار الفرص، بل يُطلب منه التحرك باستمرار خارج المنطقة لخلق مساحات لزملائه القادمين من الخلف، أو لمحاولة الهروب من الرقابة الدفاعية التي تشتد عليه داخل الصندوق، هذه التحركات تجعل المهاجم يوجد في مناطق أبعد، ولكنه في الوقت ذاته يسهم في فتح اللعب وتسهيل مهمة الفريق هجومياً.
ميزات الجناح.. المباغتة وصعوبة التوقع
على الجانب الآخر، يتمتع الجناح في كرة القدم الحديثة بميزات قد لا تتوفر للمهاجم الصريح، فالجناح القادم من الخلف، وبحكم انطلاقه من مساحة أوسع، يمتلك فرصة أكبر للمباغتة وصعوبة التوقع من المدافعين. وتحرك الجناح بشكل عرضي من على الخط نحو العمق سلاح تكتيكي فعال يصعب على المدافعين التعامل معه، ويخلق له زوايا تسديد ومساحات مراوغة قد لا تكون متاحة لرأس الحربة المتمركز في قلب الدفاعات.التاريخ الكروي يقدم لنا العديد من الأمثلة التي تؤكد تفوق الأجنحة على المهاجمين في العصر نفسه، في باريس سان جيرمان، على سبيل المثال، تفوق كيليان مبابي ونيمار دا سيلفا على إدينسون كافاني تهديفياً وتأثيراً في أداء الفريق.وفي الليغا الإسبانية لسنوات، كان ليونيل ميسي يتفوق على لويس سواريز وكريستيانو رونالدو تهديفياً وصناعة، حتى عندما لعب كريستيانو رونالدو كمهاجم صريح في بعض الفترات، كان أداؤه كجناح في سنواته الأولى في ريال مدريد أكثر تأثيراً وفاعلية على مستويات أخرى.
تعقيد الأدوار الهجومية ورأي صلاح
لا يعني هذا التقليل من شأن إرلينغ هالاند كمهاجم فذ، أو التقليل من أهمية دور المهاجم الصريح في كرة القدم، فلكل مركز متطلباته وخصائصه، ولكل لاعب أسلوبه ومميزاته، تصريحات صلاح ربما تعكس جزءاً من الحقيقة، فالتمركز قرب المرمى يمنح فرص تسجيل مباشرة أكثر. ولكن في كرة القدم الحديثة، الأدوار الهجومية أصبحت أكثر ديناميكية وتنوعاً، وتحتاج إلى تحليل أعمق من مجرد النظر إلى المسافة من المرمى.في النهاية، يمكن القول إن تصريحات صلاح حول هالاند تحمل جانباً من الصحة، ولكنها لا تعكس الصورة الكاملة لطبيعة الأدوار الهجومية في كرة القدم الحديثة.الموقع الأقرب للمرمى ليس دائماً هو العامل الحاسم في تحديد صعوبة أو سهولة تسجيل الأهداف، فالتكتيك الحديث ومتطلبات اللعب الجماعي تجعل الأدوار الهجومية أكثر تعقيداً، وتتطلب مهارات وقدرات متنوعة من اللاعبين في مختلف المراكز، سواء كانوا مهاجمين أو أجنحة.