كان أحمد عبد الله حمود، وهو نازح، محظوظًا لإيجاده بعض الطعام المخزن لتغذية أسرته، بعد أن أوقفت منظمة ممولة من الولايات المتحدة فجأة أنشطتها الإغاثية، في أحد المخيمات المترامية على الأطراف في شمال شرق سوريا، حيث أجبر وعائلته على البقاء هناك منذ ست سنوات تقريباً.
وعائلة حمود من بين 37000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، يُزعم ارتباطهم بتنظيم داعش، ويقيمون في مخيم الهول القاتم المهمل، وقد تسبب تجميد إدارة ترامب غير المسبوق للمساعدات الأجنبية في فوضى وعدم يقين وتفاقم لظروف الإنسانية المزرية بالمكان. استشهدت فرق حقوق الإنسان لسنوات عديدة بظروف المعيشة السيئة والعنف المتفشي في المخيم، الذي يضم في غالبه زوجات وأطفال مقاتلي داعش بالإضافة إلى مؤيدي التنظيم المسلّح.
وفور إعلان تجميد المساعدات بعد وقت قصير من تولي دونالد ترامب لمنصبه، بدأت برامج المساعدات الممولة من الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم بإغلاق عملياتها، بما في ذلك "بلومونت" المنظمة التي تدير عمليات عديدة في الهول، وتعمل تحت إشراف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش.
بحسب تقرير نشرته "أسوشيتد برس"، أوقفت منظمة "بلومونت" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها عملياتها لفترة وجيزة، وفقاً لمدير المخيم. وكانت توفر أساسيات مثل الخبز والماء والكيروسين وغاز الطهي.
وقال حمود، الذي ينفي أي ارتباط له بداعش وكان يحتمي في منطقة يسيطر عليها التنظيم بعد نزوحه من منطقته خلال الحرب الأهلية في سوريا: "لقد شعرنا بالقلق عندما أوقفت بلومونت أنشطتها". فيما أكد ضرار العلي، وهو أحد سكان المخيم، "صدقوني، لم نجد طعاماً. حتى الخبز لم يصل إلا في الساعة الثانية ظهراً".
ونقلت "أسوشيتد برس" عن مديرة المخيم، جيهان حنان، قولها إن "وكالات إغاثية أخرى، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، أوقفت بعض العمليات"، واصفة تصرف إدارة ترامب بأنه "قرار مشين". أشارت حنان إلى أن "بعض السكان جادلوا بأنه يجب السماح لهم بالمغادرة إذا لم يتم توفير الطعام"، وأن "بلومونت توزع 5000 كيس خبز يومياً بتكلفة تبلغ حوالي 4000 دولار، وهو أمر لا تستطيع السلطات المحلية تحمله".
عدم يقين
وقالت حنان إن بلومونت حصلت على إعفاء لمدة أسبوعين من إدارة ترامب، واستأنفت العمل في 28 كانون الثاني الماضي، مبينة "ليس من الواضح ما سيحدث بمجرد انتهاء الإعفاء". مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية والتي تسيطر على منطقة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، ذكر أنه "أثار قضية تجميد المساعدات مع مسؤولين من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة".
وقال: "نحن على وشك إيجاد بديل لهذا القرار"، مضيفًا أنه "قد يتم إصدار إعفاء لشمال شرق سوريا"، بحسب تقرير اسوشيتد برس. ويأتي تجميد المساعدات الأميركية في الوقت الذي يحاول فيه تنظيم داعش الاستفادة من الفراغ الذي خلفه سقوط نظام بشار الأسد في أوائل كانون الأول 2024 بأيدي فصائل العارضة السورية المسلّحة.
وقد يؤدي أي خفض آخر في الإمدادات الغذائية إلى أعمال شغب من جانب سكان المخيم، وهو ما قد يستغله داعش، الذي لديه خلايا نائمة هناك. وبحسب قول حنان إن "المخيم تلقى معلومات من التحالف الدولي لمحاربة داعش والحكومة العراقية وقوات سوريا الديمقراطية، بأن داعش يستعد لمهاجمة المخيم بعد سقوط الأسد". وأضافت أنه "تم تعزيز الأمن والوضع تحت السيطرة".
"تدير قوات سوريا الديمقراطية 28 منشأة احتجاز في شمال شرق سوريا تضم نحو 9000 عنصر من تنظيم داعش. ومن المستبعد أن يتأثر الأمن في مخيم الهول ومنشآت الاحتجاز بتجميد المساعدات الأمريكية"، والكلام لحنان ومسؤول في أكبر منشأة احتجاز في مدينة الحسكة شمال شرق البلاد، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.
يضم الجزء الرئيس من مخيم الهول نحو 16 ألف عراقي و15 ألف سوري. وفي قسم منفصل شديد الحراسة يُعرف باسم "الملحق"، يقيم 6300 شخص آخرين من 42 دولة، الغالبية العظمى منهم زوجات وأرامل وأطفال يعتبرون من أشد المؤيدين لتنظيم داعش. يفتقر المخيم لخدمات أساسية مثل الطرق المعبّدة، وأماكن ترويحية، ويقضي المراهقون والأطفال الذين ليس لديهم ما يفعلونه وقتهم في لعب كرة القدم أو التجوّل.
"الرزق من الله"
وصفت امرأة صينية في الملحق، عرّفت عن نفسها باسم أسماء أحمد وقالت إنها جاءت من منطقة "شينجيانغ" الغربية، زوجها بأنه "شهيد الدولة الإسلامية" قُتل في عام 2019 في قرية "الباغوز" شرق سوريا، حيث فقد داعش آخر مساحة من الأرض التي كان يسيطر عليها ذات يوم. قالت أحمد، التي تعيش في المخيم مع أطفالها الأربعة، إنها لا تريد العودة إلى الصين خوفاً من الاضطهاد.
وعندما سُئلت عن الخسارة المؤقتة للمساعدات الأميركية، أجابت: "الرزق من الله". مؤكدة أنها "تنتظر أعضاء داعش لإنقاذ عائلتها يوماً ما". فيما أكدت مديرة المخيم حنان، أن "الهول هو المكان الأكثر خطورة في العالم"، مضيفة أن " على الدول أن تعيد مواطنيها لمنع تغذية الأطفال بالإيديولوجية المتطرفة". وأردفت: "هذا المكان غير مناسب للأطفال".
وكانت القوات الأميركية تضغط لسنوات على البلدان التي لديها مواطنون في "الهول" ومخيم "روج" الأصغر المنفصل، لإعادتهم إلى مواطنهم الأصلية. وقال الجنرال مايكل إريك كوريلا، رئيس القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، خلال زيارة أجراها إلى الهول في منتصف كانون الثاني الماضي، إنه "بدون جهود إعادة التوطين الدولية، وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج، فإن هذه المعسكرات تخاطر بخلق جيل قادم من داعش".
وقالت حنان إنه منذ سقوط الأسد، أعرب العديد من السوريين في المخيم عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم في المناطق التي يسيطر عليها حكام البلاد الجدد، مضيفة أن سلطات المخيم قررت السماح لأي سوري يريد مغادرة المكان بالمغادرة. وحسب قولها "حتى لو انخفض عدد سكان المخيم، ستكون هناك كارثة، إذا تم تعليق المساعدات الأميركية مرة أخرى".