يستمر مسلسل قمع التظاهرات في العراق منذ سنوات طويلة دون حلول جذرية تضع حداً لهذه الظاهرة التي باتت ترافق أغلب التظاهرات السلمية في البلاد والتي دائما ما تكون تحت بند “غياب الموافقات الرسمية”.
إذ سجل المعتصمين من الكوادر التربوية في السليمانية، اليوم الأحد، إصابة أكثر من 150 متظاهرا أثناء منعهم الدخول الى محافظة اربيل، لغرض الاعتصام أمام مقر الأمم المتحدة، وذلك لعدم استحصال الموافقات الرسمية لدخول المحافظة.يشار إلى أن اعتصام خيام الكوادر التربوية في السليمانية دخل يومه الـ 13، وسط إضراب عن الطعام، احتجاجاً على استمرار أزمة الرواتب والمشاكل العالقة بين حكومتي بغداد وأربيل.
وقال عضو لجنة اعتصامات معلمي محافظة السليمانية، سامان علي في تصريح لعدد من وسائل الإعلام، إن “5 آلاف من معتصمي محافظة السليمانية اجتازوا 3 حواجز امنية لقوات الاسايش والبيشمركة باتجاه مدخل محافظة اربيل وسط إطلاق مئات القنابل المسيلة للدموع لمنع المتظاهرين من اقامة اعتصام مفتوح داخل المحافظة، مشيرا إلى “اصابة اكثر من 150 متظاهرا أثناء منعهم الدخول الى المحافظة”.
وأضاف أن “قوات مسعود البارزاني استخدمت القنابل المسيلة للدموع أثناء محاولة المتظاهرين الدخول الى محافظة اربيل لتنظيم اعتصام، احتجاجا على سرقة رواتب موظفي الإقليم من قبل حكومة الإقليم”.
وأكد أن “عجلات الاسعاف هرعت الى مكان اقامت المتظاهرين وقامت بنقل المصابين بعد استخدام القوة المفرطة من قبل اسايش الاقليم”، مبينا ان “قوات الاسايش استدعت قوات كبيرة لمنع المتظاهرين من الدخول واستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين لا يملكون سوى القلم للتعبير عن احتجاجاتهم”.
ولفت إلى أن “المتظاهرين مازالوا مصرين على إقامة اعتصام مفتوح وسط محافظة اربيل للتعبير عن احتجاجاتهم وردا على سرقة رواتبهم من حكومة الإقليم”.و توجه المئات من موظفي إقليم كردستان المعتصمين والمضربين عن الطعام في محافظة السليمانية ، صباح اليوم الأحد، صوب محافظة أربيل، لغرض الاعتصام أمام مقر الأمم المتحدة، في خطوة تصعيدية لحل أزمة الرواتب بشكل جذري، جاء ذلك وسط تشديدات أمنية وظروف جوية صعبة.
إلى ذلك، نفى محافظ اربيل أوميد خوشناو، اليوم الأحد، تلقي الحكومة المحلية والسلطات الامنية طلباً رسمياً للتظاهر والاعتصام على غرار محافظة السليمانية، مشددا على أن الحكومة الاتحادية تتحمل مسؤولية تأخير تمويل الرواتب، وصرف المستحقات المالية لإقليم كردستان.
وقال خوشناو في تصريح ادلى به للصحفيين بينهم ، إنه “لغاية الآن لم يطلب أحد رخصة للتظاهر في اربيل”، مردفا بالقول إن “مسألة التظاهر والتجمع والتعبير عن رفض موضوع معينا يتطلب إجراءات أصولية، ونحن نتعامل مع مثل هكذا امر وفق القانون إذا ما رغب أحد بذلك”.وذكر أنه “لا احد ينكر امتعاض الموظفين والسكان في اقليم كردستان، ولكن ممن؟ وما هو مصدر هذا الامتعاض؟ مصدره الحكومة الاتحادية التي تمارس الظلم بحق اقليم كردستان منذ عدة سنوات بقطعها صادرات النفط، وخرق الدستور، وايقاف صرف المستحقات المالية، ولا تقوم بتأمين موازنة المشاريع الخدمية، ومنذ العام 2013 لم يتسلم الاقليم دينارا واحدا من المخصصات المالية لمشاريع تنمية الاقاليم والمحافظات في الموازنات المقرة من مجلس النواب”.
وتابع خوشناو القول، إن “اربيل ترحبُ بالضيوف ومحبة لهم، ولكنها غير مستعدة لإستقبال مثل هكذا اشخاص، لان الناس هنا منشغلون بمزاولة أعمالهم اليومية في الأسواق والمراكز التجارية، والدوام الرسمي يجري بشكل طبيعي في الأوساط التعليمية، والدوائر والمؤسسات الحكومية”، في اشارة الى رفض استقبال حافلات خرجت صباح اليوم من خيام الاعتصام للمعلمين والتدريسيين في السليمانية على متنها متظاهرون متوجهون الى اربيل.
وفي السياق ذاته، ردّ عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، مهند عقراوي، على التصريحات الأخيرة لمحافظ أربيل بشأن الاحتجاجات التي تشهدها مدن الإقليم، واصفا إياها بالمعيبة والمرفوضة.وقال عقراوي في تصريح ، إن “الاحتجاجات التي يشهدها الإقليم يقودها نخبة محترمة من المثقفين، الموظفين، المعلمين، والمدرسين الذين لم يقوموا بأي أعمال تخريبية، بل يطالبون بحقوقهم المشروعة بطريقة سلمية وحضارية”، مشيرا إلى أن “السلطة في الإقليم بدلًا من الاستماع إلى مطالب المواطنين، تلجأ إلى تكميم الأفواه وخلق الأزمات بشكل مستمر”.
وأشار إلى أن “التصريحات الرسمية يجب أن تعكس احترامًا لمطالب الشعب بدلًا من توجيه الانتقادات إليهم”، مؤكدًا أن “الحلول تكمن في الحوار الجاد والإصلاح الحقيقي، وليس في التبريرات أو التصريحات المستفزة”. ووصف عقراوي تصريحات محافظ أربيل بشأن الاحتجاجات بأنها “غير لائقة ومرفوضة”.
ووثقت العديد من وسائل الإعلام الكردية، صباح اليوم الأحد، انتقال عشرات الحافلات المحملة بالموظفين الذين دخلوا يومهم الـ13 في الاعتصام، فضلا عن الاضراب عن الطعام، حيث لا تزال رواتب شهر كانون الأول 2024 لم تصرف، بالرغم من توصل بغداد وأربيل الى اتفاق نهائي يخص رواتب العام 2025.
وأطلقت حكومة كردستان رواتب شهر كانون الثاني 2025 قبل أيام، ولكن تمويل الرواتب على مايبدو سيكون فقط “الكترونيًا”، حيث تم اطلاق الرواتب عبر نظام “حسابي” بالرغم من ان هناك فقط حوالي 250 الف شخص يمتلكون بطاقات، من اصل مليون موظف، فيما تقول حكومة كردستان ان حوالي 800 الف موظف تم توطين رواتبهم، أي 80% منهم.
وتقول المعلومات ان “السلطات الأمنية في أربيل شددت الإجراءات الأمنية وتحاول منع دخول موظفي كردستان المعتصمين القادمين من السليمانية للدخول”، بحسب وسائل إعلام كردية محلية.وزار وفد من مجلس النواب الذي وصل مدينة السليمانية، أمس الأول الجمعة، والمكون من أغلب الكتل النيابية، خيمة المعلمين المعتصمين والاطلاع على مطالبهم.
وأعلن الوفد النيابي خلال مؤتمر صحفي تابعته “العالم الجديد”، من داخل خيم الاعتصام عن “تسلمه اليوم مطاليب المعتصمين وأنه سيأخذها معهم الى بغداد إلى مجلس النواب، وعزم تشكيل لجنة نيابية لمتابعة موضوع الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية والاعلان للرأي العام من هو السبب في تعطيل صرف رواتب الموظفين، كي لا يصبح المواطنين ضحية للصراعات السياسية من الآن وصاعداً” حسب قولهم.
وتعهد الوفد البرلماني بأنه “سيعود قريباً الى المعتصمين بالحلول، حول مواضيع التوطين وتوفير الرواتب، مشيداً بما وصفه نضال وصمود أبناء السليمانية خلال السنوات الماضية للمطالبة بحقوق الموظفين وتوفير رواتبهم”.
جاء ذلك بالتزامن مع تأكيدات منظمات حقوقية ونواب أن العديد من المعتصمين يعانون من سوء الحالة الصحية بسبب الإضراب عن الطعام والمستمر منذ أيام، إذ قرر البعض منهم رفض تلقي الرعاية الصحية، في خطوة تصعيدية باعتصامهم، بعد أن كانوا يتلقون الرعاية الصحية طيلة فترة إضرابهم.وأكد المتظاهرين، أمس الأول الجمعة، أن “الخلافات والصراعات السياسية بين حكومتي بغداد وأربيل يجب أن تُحلّ بعيداً عن التأثير على حياة المواطنين ومعيشتهم، مطالبين بتطبيق الدستور العراقي بشكل يضمن الحقوق والامتيازات لجميع العراقيين، دون تمييز بين مواطني الإقليم وسكان باقي مناطق البلاد”.
كما عبّر المعتصمون عن “استيائهم من استمرار هذه الأزمة”، داعين إلى “اتخاذ إجراءات فورية تنهي حالة الإحباط الشعبي وتعيد الثقة بين المواطنين والحكومات المعنية”.وأعلنت وزارة المالية في حكومة إقليم كردستان، في 3 شباط فبراير الجاري، عن التوصل إلى اتفاق نهائي مع الحكومة الاتحادية لحسم ملف رواتب موظفي الإقليم.يذكر أن مجلس النواب صوت، في 2 شباط فبراير الجاري، على مشروع قانون التعديل الأول لقانون الموازنة العامة الاتحادية للسنوات المالية 2023، 2024، 2025، والذي يسمح باستئناف تصدير نفط إقليم كردستان عبر شركة سومو الاتحادية.
وكانت وزيرة المالية الاتحادية طيف سامي طلبت، في 1 شباط فبراير الجاري، من وفد الإقليم تزويد المالية بالحسابات البنكية لكل موظف، سواء تم توطين الرواتب في المصارف الاتحادية، أو بنوك الإقليم، كما طلبت أيضا ترك الحرية والخيار للموظف في أن يوطن راتبه في أي مصرف يشاء، وأن لا يتم جبره على التوطين في مشروع حسابي، بحسب مصادر مطلعة.
ويرى مراقبون في الشأن السياسي، أن الأزمة المالية بين بغداد وأربيل ليست مسألة موازنات فقط، بل ترتبط بتوازن القوى في العراق. إذ إن أي اتفاق مالي يحمل في طياته بُعداً سياسياً، سواء تعلق بمصالح الأحزاب أو بالتأثيرات الإقليمية والدولية، وبالرغم من التصريحات الإيجابية من الطرفين، تبقى المخاوف قائمة بشأن تنفيذ الاتفاقات على أرض الواقع، خصوصاً في ظل تجارب سابقة لم تكتمل، مشيرين إلى أن الهجوم على حقل خور مور قد يكون رسالة واضحة بأن أي تفاهم بين بغداد وأربيل لن يكون سهلاً، وأن هناك جهات غير مستفيدة تسعى لعرقلته.